8‏/7‏/2020

النهاية المتأخِّرة 👋

يوليو 08, 2020 1 تعليقات
ليس كل الأشياء يناسبها التخمير !

هذه التدوينة مضى عليَّ الكثير من الوقت بالتفكير فيها ، اليوم قرَّرت أن أنهي الأمر بالفعل و ليس بالتفكير فقط .
ليمونة و قارورة مياه صحيَّة ، يجب أن أكتب .
مرحبًا إلى كل الذين قرؤوا لي على هذه المدوَّنة ، أهلًا بكل من مرَّ من هنا قارئًا كلماتي و باعثًا لي بمزيد من الشجاعة للإستمرار ، شكرًا لكم أولًا و قبل أيَّ شيء .

إن نهاياتي دومًا متأخِّرة ، تجيء بعد النهاية ، لذلك لا تعود نهاية بمعناها الحقيقي بل تبدو بداية مشوشَّة مجدَّدًا ، هذا مرهق بالنسبة لي كثيرًا ، لأن هذا التشوُّش يعني مزيدًا من الأشياء المتداخلة تحت إطار " قيد النهاية " ، أشياء انتهت لكنَّي لم أنتهي منها !
عندما افتتحتُ هذه المدوَّنة ، كنتُ قد وعدتُ نفسي بالتخلُّص عبرها من كثير من طباعي المؤذية ، وعدتُ نفسي بأن أتخلَّى عن الكثير من المظهر الجيِّد مقابل أن أكون أنا من جديد ، بدون أي حواجز ، بدون أي أقنعة و لكن بكثير من التطوير و كثير من تصحيح المسار ، و فعلتُ حقًا .

بلوجر منصَّة جميلة و بسيطة سلسة ، و لو عدت مجدَّدًا مبتدئة لاستخدمتها بدون تردُّد ، الأشياء هنا بسيطة جدًا و واضحة لأنها محدودة مقابل منصة وورد بريس .
أما أنا فإنني لاحظتُ أن وورد بريس مستخدمة من قبل الكثير و الكثير من المدوِّنين ، تقريبًا أكثر من مستخدمي بلوجر ، و أحببتُ ان أكون مع الركب هناك .
بكثير من البحث ، و الكثير من " التخبيص " و التجارب ، استطعت أخيرًا انشاء مدونتي هناك و استيراد كل محتواي هنا إلى هناك .
صدقني شعور الإكتشاف بعد طول عناء لذيذ جدًا ، فأنا لستُ مبرمجة و لم يكن لي صداقة وطيدة مع عالم التدوين أو الإنترنت بشكل عام عدا مواقع التواصل الاجتماعي ، كل ما لديَّ كان الفضول فقط .

في البداية تأزَّمتُ من لغة وورد بريس ، فلغتي الإنجليزية متواضعة جدًا ، و لكن بقليل من البحث على العم جوجل استطعتُ تغييرها ، ثم قمتُ بإنشاء المدوَّنة و لكنني كنتُ مصرَّة على استيراد محتواي إلى هناك ، و مع قليل من تجربة كل الأدوات استطعتُ أخيرًا فعلها ، و طبعًا بعد أن احتفظتُ بنسخة احتياطية لها ، أعتقد أكثر من نسخة واحدة ( كنت خايفة أضغط على شي غلط يودي المدونة الداهوفة 😅 )

و لكن الأمر نجح بفضل الله تعالى ، مع العلم أنني استغرقت كثيرًا من الوقت كي أعتاد على التحرُّك هناك ، الآن عندما أنظر إلى مدونتي على بلوجر أرى الفرق الذي يقول أن " بلوجر ممتازة للمبتدئين بينما وورد بريس تحتاج بعض المعلومات أو الخبرة ربما " .

" ليس لديَّ الكثير من الكلام " هذه هي المشكلة التي كانت تجعلني أؤجِّل هذه التدوينة ، و لكني الآن أكتبها بأي صيغة و بطريقة عفوية تمامًا لأنها يجب أن تكتمل و تنطلق و نقلب هذه الصفحة بسلام .

عندما أضيفت مدوَّنتي على وورد بريس إلى قاعدة بيانات " الفهرست " ، تأكَّدتُ بأن من الصعب إدارة مدوَّنتين بوقت واحد ، خصوصًا و أنه نفس المحتوى ، لذلك كان التوقُّف هنا هو الحل .

مرة أخرى انقطع سيل الكلام الشحيح ، سأكتفي بالإشارة إلى مدوَّنتي على وورد بريس .



26‏/6‏/2020

بين صفحات " مرتفعات وذرينغ " لإميلي برونتي .

يونيو 26, 2020 0 تعليقات

أنهيت قبل لحظات رواية " مرتفعات وذرينغ " ، كتاب حافل بالأحداث ، معقَّد بالعلاقات ، مليء بالغرابة و لكنَّه أقرب للواقع بكثير من الخيال .
لم أسمع به من قبل ! ، و لكن عند قراءتي لسلسة الشفق تذكره ستيفاني من ضمن كتب بيلا ، تملَّكني الفضول نحوه خصوصًا عندما تقول ستيفاني على لسان بطلتها بيلا تعليقًا على الكتاب : كان الحب هو الشيء الصحيح الوحيد الذي كان بين هيثكلف و كاثرن .

تسلسل الرواية مذهل بدقته ، و لغته سهلة و سلسة على القارئ ، و رغم أن طريقة تصرُّفات الأبطال قد تبدو مملَّة و مبالغ بها إلا أنني تابعتُ حتى النهاية بنفس وتيرة التشوُّق الهادئ ، و لذلك أستطيع أن أعدُّ الرواية من تلك الروايات التي تجعلك تغوص بالتفكير في العلاقات بجدية أكبر من العاطفة ، رواية كافية لتكون أدبية فكرية و لم أستغرب كثيرًا عندما علمتُ أنها الرواية الوحيدة لإميلي برونتي ، لقد كتبت بصدق و بكل نضج ، و أظنُّ بأن من قد يكتب شيئًا كهذا ملمٌّ بكل هذه الأشياء سيشعر بأنه قد أدَّى واجبه نحو الكتابة ، و بالفعل فالرواية التي بقي تأثيرها و تشويقها كل هذه السنين منذ عام 1847 حتى الآن 2020 لا بدَّ أنها أدبية بالتأكيد ، و ثريَّة بالأفكار ، و مُلهِمة حقًا .
ببساطة للرواية سأعطي ممتاز ، و لولا المسيحية الباطلة التي تندسُّ في الحوارات و بعض الأحداث و حتى شخصية يوسف ، لكنتُ بلا شك أعطيتها ممتاز جدًا .

ملحوظة صغيرة : للدين اعطي نجمة دائمًا ، إن ذكر شيئًا يضادُّه بشكل عابر ، أما الكتب التي يكون غرضها الرئيس نشر عقيدة فاسدة أو دين باطل ككتاب " قواعد العشق الأربعون " مثلًا ، فإنها تسقط تمامًا بدون أسف .

كانت طفولة هيثكلف منذ البداية قاسية ، و لقد وقفتُ بصفِّه منذ جاء به السيد أرنشو إلى مرتفعات وذرينغ ، طفل أسود بعينين سوداوين و شعر أسود ، جائع بملابس ممزَّقة ، و يحضر فيرمقه الجميع باشمئزاز و الألطف منهم نظر إليه بشفقة ، السيد هندلي أرنشو لم يقبله ، الآنسة كاثرن أرنشو بصقت عليه ، و لكنَّه رمق الجميع بصمت و سلَّم نفسه .


هيثكلف كبُر ، عينيه توقَّدتا بشغف بالعلم ، و توق للصلاح ، كاثرن تقبَّلته بل أصبحت رفيقته ، و لكنَّ التركيز الذي أولاه السيد أرنشو له لم يكن لصالحه حيث أن الجميع بدأ يراه سببًا في تغيُّر السيد أرنشو ، و بكل وضوح كلنا نعرف أن البيض مهما أرادوا أن يكونوا متسامحين بشأن السود كي لا يأخذوا لقب " عنصريين "، فإنهم لم يتوقَّفوا يومًا عن التشاؤم بهم و عدم الإرتياح معهم بشكل عام باستثناءات محدَّدة ، لذا لم يكن في منزل السيد أرنشو من يرتاح برؤية هيثكلف كثيرًا ، و مهما حاول الصغير أن لا يرى هذا فإنه لم يتردَّد يومًا أن يردَّ على عدم ارتياحهم بالظهور بمنزلة أقرب للسيد أرنشو و حتى القيام ببعض التصرُّفات القاسية التي تجعلهم يتميَّزون من الغيظ و لكنهم يصمتون كي لا يغضب السيد أرنشو .


هيثكلف طفل مشرَّد ، هيثكلف أسود ، هيثكلف يتمتَّع بدلال السيد أرنشو بدلًا من أبنائه الحقيقيون ، هيثكلف يجب أن يخرج من المنزل ، و لكن السيد أرنشو سيغضب ، هيثكلف يتجبَّر في مكان ليس ملكه ، هيثكلف يجب أن يغادر .

عاد هيثكلف بانتقام و ليس بطلب انضمام ، هيثكلف يدمِّر بدون توقُّف ، يدمِّر كل ما يشبه الماضي ، هيثكلف حريص على محو اسم عائلتي " أرنشو و لنتون " للأبد ، مقابل نبذهم له باستثناء السيد أرنشو ، هيثكلف يخفق .
طفلة كاثرن و لنتون غدت تحبُّ طفل هندلي أرنشو ، و طفل هيثكلف و إيزبيلا لنتون مات أو الأحرى قَتَله أبوه !
كاثرن أرنشو في كلا الوجهين ، وجه طفلتها و وجه ابن أخيها ، و لم يكن طفل هيثكلف يومًا يشبه كاثرن الحبيبة .
كاثرن تطارده كشبح ، كاثرن موجودة على الدوام و هو يؤمن بهذا ، كاثرن تعاقبه فلا شيء منها بقي في وجه طفله و لا حتى في وجهه هو ، كاثرن مرضه المزمن ، كاثرن التي لا يربطها به سوى الحب و ما عدا ذلك فهو خاطئ تمامًا ، كاثرن سلبته كل آماله باعتقادها بأنها سينحط اسم عائلتها بزواجها منه ، كاثرن ميتة و هو حي ، لا زال يمزِّق كل ما تبقَّى من العائلتين ، تعب من الإنتقام ، و يجب أن ينتقم من كاثرن على زواجها من لنتون ، يرى وجهها خلسة في التابوت ، و يزفر أخيرًا بارتياح ، و يذهب ...
لكنَّها تتبعه أينما ذهب ، بات متأكِّدًا من أنها معه ، ينسى حبه لها فيمرض بها ، يموت هيثكلف قبل أن ينهي انتقامه .
عائلة لنتون و عائلة أرنشو لا زالت موجودة ، و لكنه لم يعد موجودًا ، ذهب حيث تكون كاثرن ، مات بها بعد طول موت !


الحياة المعقَّدة بالحب ، بالكره ، بالإنتقام ، بهذه المشاعر الإنسانية العنيفة ، تبدو أكثر سلامًا بالتخفيف منها ، و التقليل من جرعتها ، و لكن أنَّى هذا و الإنسان العنيف لا زال نحن .

لو لم يحبُّ السيد أرنشو هيثكلف لما جاء هيثكلف إلى مرتفعات وذرينغ ، و ما أحب كاثرن ، و ما كرهه أهل المنزل ذلك الكره ، و ما انتقم هو فيما بعد منهم أجمعين .


مشاعر إنسانية بحتة ، و لكن المبالغة رافقتها فأصبحت مدمِّرة أكثر من أن تكون دافئة و مُصلِحة .


بهذا الكتاب أتأكَّد أن المبالغة دومًا مؤذية ، و أن زرع اليوم لابدَّ يحصد غدًا أيًا ما كان ، و أن الحبَّ عندما يتحوَّل إلى مرض فليس لنا سوى الإبتعاد حرصًا على أنفسنا أولًا و على الذكريات الجميلة تاليًا ، فلماذا نلطِّخ اللوحة التي رسمناها معًا بالأسود ؟
كان يمكن أن نعلِّقها على جدران الذاكرة فنبتسم عند رؤيتها و نمضي !
و علمتُ أن مكان الإنسان يجب أن يكون هو المكان الصحيح كي لا يصبح الإنسان ذا وجود خاطئ ، و بهذا أعرف أن الإبتعاد ليس حلًا سيئًا ، و أن شجاعته أهم بكثير من الحفاظ على نفس المكان .

إميلي برونتي توفيت بعد عام واحد من كتابة هذه الرواية ، و رغم أنني أعرف أنها ماتت بداء السل ، فإنني أفضِّل أن أرى بأنها ماتت بعد أن أدركت بأن كتابها حمل كل مشاعرها الإنسانية التي يمكن أن تبثَّها مع الوقت ، لذا لم يبقَ لها الكثير منها سوى ما عاشت بها عامًا واحدًا بوهن المرض الذي بالتأكيد لم يستلزم منها مشاعر إنسانية كثيرة ، ماتت إميلي و لكن بعد أن أعطتنا نبذة عن جانب انسانيتنا المدمِّر أكثر من الباني أحيانًا .




 مصدر الصورة

23‏/6‏/2020

نبذة عن كتاب " قدمي اليسرى " لكريستي براون .

يونيو 23, 2020 0 تعليقات
إعادة نشر للتدوينة بعد أن طارت بلمسة مغلوطة ، على بلوجر أن يجد طريقة لاستعادة المحذوفات 😕



هل تشعر بشيء من ضيق لا مبرَّر ؟

بنقص محدَّد ؟

بالملل و الكسل ؟

هل تعتبر شيئًا ما سجنًا لروحك لئلا تنطلق ؟

أتشعر حقًا بالعجز ؟



لا تتوقَّف هنا ، تحتاج لشيء يؤلمك كثيرًا كي تنهض ، قم فاقرأ لكريستي براون " قدمي اليسرى " ، كريستي الذي يعاني من الشلل الدماغي ، كريستي الذي ما ظنَّ أنه معاق حتى وقت طويل ، عَلِمَ فقط أنه مختلف و هو في سن العاشرة ، و قنط من عدم قدرته على الركض و تسلُّق الشجر و لعب كرة القدم و غيرها من النشاطات التي لا يساعده جسده المريض في فعلها ، هكذا مضى كريس حتى انكسرت عربته " هنري " ، وقتها فقط عَلِم أنه مختلف .

كان يخرج مع اخوانه ، و يركضون و هم يدفعونه على عربته الرديئة تلك ، لا يخجل عندما يتحدَّث بلهجة النخير ، و سقط عشرات المرَّات بدون أن يكره ان يركضون به ، بل و حتى لقد سبح أوَّل مرة بدون أي مساعدة ، لم يكن يرى النظرات المشفقة على أنها أي شيء ، كان يعرف فقط أنه مختلف كفاية كي يمر الناس بجانبه و يرمقونه بتلك النظرات ، كان طفلًا طبيعيًا سوى أن جسده ليس ملكه ، أحلامه و شقاوته و ذكاؤه و نشاطه التفكيري لم يخبو يومًا بل إنه كان طريقة نحو كتابة قصته هنا ، كان عقله بخير تمامًا ، كان طفلًا كاملًا حتى كسره سجن جسده ..



عندما أدرك أنه مختلف ، بدأ يبتعد ، بدأ يغرق في نفسه أكثر ، بدأ يرسم بقدمه اليسرى ، ينسخ بقدمه اليسرى ، توقَّف عن الخروج إلى الأماكن التي فيها ناس ، بات يطلب منهم أن يذهبوا به إلى الأماكن الساكنة الهادئة حيث الطبيعة بدون نظرات مشفقة لا يدري ماذا تريد منه !

مشوار كريستي مع نفسه بدأ منذ كتابته حرف A و تعلَّم كتابة الحروف الأبجدية و الكلمات مع أمه بقدمه اليسرى ، و لكنه انشغل بطفولته بعدها فانقطع عن نفسه ، بل إنه يقول إنه لم يكن يحاول التفكير في النظرات الغريبة أو مدى اختلاف اخوانه عنه ، كان يشعر بأن هذا سيحزنه فلم يكن يفعل ، حتى جاء اليوم الذي انكسرت به عربته ، و غاص بنفسه أكثر فاستأنف مشواره بالرسم بعيدًا عن نشط الطفولة الذي بات مزعجًا أكثر من ممتع .



بنظرة شفقة واحدة من طفلة أدرك كريستي بأنه كان يحلُم فقط بأن لا شيء يفرقه عن الآخرين سوى أوهام يصوِّرها له عقله ، وقتها رأى المستقبل الغامض كحفرة سوداء تنتظر سقوطه بالداخل ، لم يكن كريستي قادرًا على أن يذهب للمدرسة ، و لا حتى يعتمد على نفسه ، لم يكن هناك شيء طبيعي في جسده سوى قدمه اليسرى فقط ، حتى أنه لم يكن ينطق ، رأسه منحنٍ بغير سيطرة منه ، فمه ملتوي ، و يداه لا تتوقفان عن الإلتواء و الحركة ، عندما نظر إلى نفسه بالمرآة كسرها ، و عندما جاءت امه لتتفقَّده بفزع أشار لقطع المرآة المضيئة تحت نور الشمس بقدمه اليسرى و إدراكه المتأخر بأنه معاق .



كريستي رسم حتى ملَّ ، ثم في سن السادسة عشرة بدأ يكتب القصص بميلودرامية فضيعة ، كان يكتب ليخرج منه غضبه من نفسه على هيئة مشاهد عنيفة و دموية مزعجة ، كان كريستي بقدمه اليسرى يرسم و يكتب و يمضي ، كانت رأسه محتشدة بالأفكار ، كان طبيعيًا سوى جسده ، كان معاقًا سوى قدمه اليسرى .



في الثامنة عشرة نرى كريستي و هو يبدأ مشوار علاجه الطبيعي ، بعد أن مُنِع من استخدام قدمه اليسرى بعد بدئ العلاج لأن اعتماده الكلي عليها جعل فرصة الأعضاء الباقية لا شيء في الحركة أو حتى المحاولة ، كريس وعد ألا يستخدمها و فعل .

لم يكن مختلًا ، و لا أحمق ، كان بقدر جيِّد من العقلانية كي يكون شخصًا طبيعيًا سوى من جسده .



في العيادة التي كان يذهب إليها للعلاج ، كان البالغ الوحيد من بين مجموعة أطفال ذوي احتياجات خاصة متنوعة ، رأى الرعب في عجز أولئك الأطفال ، بل رأى نفسه عندما كان صغيرًا ، و لكن أيًا من هذا لم يثنيه عن مواصلة العلاج ، كان يحتاج الجدية أكثر من التعاطف ، كان يبغي الحب كأي عاقل بدلًا من الشفقة المؤذية ، كان مراهق تمامًا سوى أن جسده كان معاق .



بعد أسابيع من الذهاب للعيادة ، شعر كريس بأنه يريد كتابة شيء ما و إيصاله لكل إنسان على هيئة كتاب ، و لكنه لم ينقض عهده فيستخدم قدمه اليسرى ، بل بموقف بسيط جعل أخيه الأصغر إيمن يبدأ الكتابة بحيث هو يملي و ذاك يكتب ، كتب كريس بطريقة ديكنزية حزينة ، بكلمات صعبة لم يكن يفهمها و لكنه استخدمها ، و أحيانًا كان يملي الحروف على أخيه المسكين الذي لا يعرف هجاء الكلمات الصعبة التي يأتي بها ، و وضع عنوان الكتاب " ذكريات مختل عقليًا " !



كريس لم يكن يريد أن يعترف لنفسه بأن كل تلك المخطوطات التي عمل عليها مع أخيه كانت بلا جدوى ، و لكنه عندما علم بأنه يحتاج للمساعدة لتعليمه كيف يكتب بوضوح لم يتردَّد لحظة عن إرسال رسالة للدكتور كوليس الذي ما كان سوى الكاتب روبرت كوليس ، و بدأ تعليمه الكتابة و الأدب من قبل الدكتور .





في العيادة التي انتقل إليها مع توافد الكثير من المرضى الجدد ، تعلَّم كريس الإسترخاء الحقيقي و تعلَّم كيف يتنفَّس بانتظام و بالتالي كيف ينطق بشكل جيِّد ، و من ناحية أخرى لم يتوقَّف عن بدئ كتاب جديد مع أخيه الآخر فرانسيس الذي كان صريحًا عندما سأله عن رأيه بما كتبه حتى الآن فقال : لا بأس به ، لكن أحدنا يحتاج قاموس بجواره لقراءته !

و بدأ كتابًا ثالثًا مرَّة أخرى بعد أن ركَّز على أخطائه و الأشياء المكرورة في نصوصه ، و هكذا مضى كريس .





في العشرين من عمره تعرَّض كريس لشعور الوحدة من جديد ذات مساء فأراد أن يكتب ، و لكنه لم يجد الكلمات المناسبة فصرخ على أخيه فرانسيس : اخرج إلى الجحيم ! ، و قبل أن يبكي الصغير المسكين فأردف : امض إلى الخارج .

و عندما خرج ، مزَّق جورب قدمه اليسرى و وضع الورقة أمامه ، و بد يكتب بدون تفكير و بكل غضب و ضعف ، كلمات متشابكة ، أفكار ليست متناسقة ، كان يريد أن يكون بأي شكل .

و عندما قبض عليه الدكتور مستخدمًا قدمه اليسرى لم يقل الدكتور كوليس شيئًا ، بل مضى في تعليمه و كأنه لم يرَ أي شيء ، و في النهاية قال : حاول ألا تستخدمها إلا للضرورة و لن نخبر الدكتورة .!



و في النهاية الحفلة الموسيقية التي سُرِد فيها الجزئين الأولين من الرواية كلها " الحرف A " و " أمُّنا " ، و كان كريس في المسرح ، و قُدِّم إلى أمِّه ورد أحمر ، الأم التي لم تستسلم لفكرة اختلال عقله ، التي علَّمته كيف يكتب ، التي فهمته دومًا ، و التي بَنَت بيتًا !



إلى كل أم عمِلت على البذل الجزيل ، إلى كل أمٍ كانت قوية ثابتة و غير مستسلمة للنقص الذي ينهش أطفالها ، إلى كل أمٍ كانت بطلة : شكرًا لك أيتها الأم القوية ، أيتها الأم الثابتة رغم كل ما يتزلزل من حولها كلُّنا فخورين بك .





و هنا تحيَّة للحبيبة أسماء أمُّ شهد ، الأمُّ التي تتبعثر حكايا حب أطفالها بين كلماتها ، الأمُّ التي تتناثر شظايا الدفء من حديثها الجميل ، الأمُّ التي أعرف انها قويَّة كفاية كي تعلِّم طفلتيها أن الحياة مهما بدت حزينة و موجعة فإننا نستطيع أن نمضي بها مهما كان ضعفنا ، فقط بقليل من الكفاح ، بكثير من الإيمان ؛ قبلتين لطفلتيها الجميلتين و ودٌّ للعائلة الوردية اللطيفة .



أخيرًا ، أيُّها اليائس ، أيُّها المسجون في زنزانة وهمك ، كريستي لم يسقط مهما سقط ، كريستي المصاب بالشلل الدماغي لم ينكسر للأبد ، فما بالك بصحتك و عافيتك و سلامتك و أعضاؤك التي تعمل ، ما بالك تعجز !

تذكَّر قوله عليه الصلاة و السلام : ( و لا تعجز )



كتاب " قدمي اليسرى " لكريستي براون ، حَرِيٌّ بكل متخاذل أن يقرؤه ، و المنتَظر أن يبتسم ، أن ينهض ، و أن يقول بكل صدق : اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك .



قرأتُ الكتاب بتوصية من أختي مساء أمس ، و ها أنا أوصي به كل من لم يقرؤه ، كتاب قصير مليء بالسقوط ، حافل بالنقص ، و لكنَّه مختوم برسالة مهمَّة على كل إنسان أن يقرأها : احصل على السلام الداخلي بنجاحاتك ، و لا تعجزنَّ .






 


Follow Us @techandinv